محمد أبو زهرة
1430
زهرة التفاسير
على الأعداء من ظفر ، ونحن نجيب جوابا آخر ، وهو أن تمنى الموت هو تمنى الحرب في سبيل نصرة اللّه ، ومن دخل الحرب متمنيا الموت فإنه لا يترتب على قتله نصر للأعداء بل يترتب عليه هزيمة لهم ، كما أشرنا قريبا ، وقد كان السبيل الحق إلى النصر أن يدخل المجاهدون غير حريصين على حياتهم ، إنما يحرصون على النصر ، ولو كان يموت آحاد منهم ، ولا يتحقق ذلك إلا إذا كان كل واحد لا يحرص على الحياة ، ولكن يطلب الموت ، وإنّ طلب الموت يؤدى إلى الحياة ، كما قال الصدّيق : ( اطلب الموت توهب لك الحياة ، وفر من الشرف يتبعك الشرف ) ، وإن الحرص على الحياة يؤدى إلى الجبن ، والجبن يؤدى إلى الهزيمة ، وإن المجاهد الذي يستحق شرف هذا الاسم يتقدم مريدا عزة الحق ، وقابلا الموت ، بل يتمناه ليكون شهيدا ، وإذا وقع يكون أمرا قد توقعه ، ومن بقي من بعد عليهم أن يجددوا العزيمة ، ويعيدوا الكرة عليهم ، ولذا عتب اللّه سبحانه وتعالى على المؤمنين إذ أصابهم الغم عندما اشتدت شديدة الحرب عليهم فأصابهم ما أصابهم بل أمرهم أن يثبوا مرة أخرى ، وإذا كانوا قد تمنوا الموت ، فقد وقع لبعض منهم ما تمنوا ، ولذا قال سبحانه وتعالى : فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ . الفاء هنا للإفصاح ، فهي تفصح عن شرط مقدر دل عليه صدر الكلام ، ومعناه : إذا كنتم تمنيتم الموت فقد رأيتموه رأى العين وشاهدتموه ، فوقع ما توقعتم ، وقوله تعالى : وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ تأكيد لحال الرؤية أو تصوير لرؤيتهم ؛ لأن الجملة حالية والتعبير بالمضارع يفيد التصوير ، وإحضار الصورة الواقعة في الماضي كأنها واقعة في الحاضر ، فيستحضرها العقل كما وقعت ، وكما ظهرت في الوجود ، والنظر الذي قرره سبحانه بقوله تعالى : وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ يتضمن النظر إلى الموقعة كلها ، وكيف كان الانتصار في ابتداء الأمر عند الطاعة ، ثم كيف كان الانهزام عند المخالفة إرادة عرض الدنيا من بعضهم كما قال تعالى : مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ . . . ( 152 ) [ آل عمران ] . ويتضمن النظر بعد وقوع الانهزام كيف تفرقت الإرادات ، وقد كانت إرادة واحدة ، وكيف تضعضعت بعض الهمم ، وكيف كثرت الظنون ، وكيف أصابكم